السيد محمد الصدر
595
تاريخ الغيبة الصغرى
أمطرت على قوم لوط أولا « 1 » وعلى جيش أبرهة الأشرم عند غزوه للكعبة « 2 » ثانيا . وأما السنة الشريفة ، فعلى أشكال ومستويات عديدة ، نذكر منها اثنين ، سبق أن سمعنا هما في تاريخ ما بعد الظهور : المستوى الأول : ما روي عن طريق العامة والخاصة من أنه مع وجود النظام العادل يتحقق الأمن على نطاق كوني حتى ترعى الشاة مع الذئب ، ويلعب الصبيان بالأفاعي لا يضروهم شيئا ، ويمشي العجوز بين كربلاء والنجف ، لا يهيجها لص ولا يرعبها سبع . وقد سردنا الروايات الناطقة بذلك هناك « 3 » . المستوى الثاني : ما سمعناه هناك أيضا « 4 » من الأخبار التي اتفق عليها الفريقان أيضا ، من تحقق هذه الظاهرة عند تطبيق النظام العادل ، وهي أن الأرض تلقي بأفلاذ كبدها كأمثال الأسطوانات من الذهب والفضة وسائر المعادن ، يراها الناس على وجه الأرض ، ولا حاجة لهم إلى التنقيب الشديد عنها في داخل الأرض . إن كل هذه أساليب مختلفة من نتائج الطاعة ، والتجاوب الكوني مع العدل ، أو قل : تجاوب العدل مع الكون . فان البشرية بعد تكاملها أصبحت عاملا مباشرا لصيقا بالتخطيط الكوني وأهدافه العليا ، فأحرى بها أن يكون لها درجة كافية في التصرف بالكون ، وأحر بالكون أن يكون له درجة كافية من الانسجام والتعاون معها . . . بعد أن كان تخطيطه واعيا واختياريا ، منطلقا من الحكمة الأزلية وإن بدت قوانينه اضطرارية قسرية . إلا أننا عرفنا ان الغاية هي التي تحدد الواسطة : ان القسر في ( قوانين ) الكون إنما وجد من أجل تلك الغاية العليا ، فإذا اقتضت تلك الغاية الاستغناء عن هذه القسرية أحيانا أو في كثير من الأحيان ، كان ذلك ضروريا ، وقد عرفنا أن كل ما في الكون ، منسجم مع تلك الغايات ، غير زائد عليها وغير ناقص عنها . ولا يبقى مانع عن تعقل ذلك إلا مجرد عدم الألفة والاعتياد .
--> ( 1 ) انظر سورة هود : / 82 - 83 وسورة الحجر : / 73 - 74 . ( 2 ) انظر سورة الفيل : / 1 - 5 . ( 3 ) في الفصل السابع من الباب الثالث من القسم الثاني . ( 4 ) في الفصل نفسه .